برنامجنا

المبادرة واجبة لبناء دولة المواطنين والمواطنات

انطلاقاً من المعاينة الموضوعية للمرحلة الانتقالية، تصبح المبادرة واجبة، لصدّ كل محاولات ترميم ميزان القوى المتصدع، وتعويم سفينة السلطة الآيلة إلى الغرق. ولكن أيضاً، وخصوصاً، إلى المساهمة في بناء دولة لمواطنين ومواطنات، ووسيلتنا إلى هذه الغاية هي إنشاء إطار سياسي منظم.

نطمح الى بناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة وقادرة في لبنان، ينتظم أداؤها وفقا لنصوص مرجعية واضحة

دولة

نفهم الدولة على انها تنظيم شكلي موضعي، أي أن حدودا تفصل داخله عن خارجه، ووظيفة هذا التنظيم الشكلي هي رفع فاعلية الأداء تجاه التحديات الخارجية والداخلية مقارنة مع أداء التشكلات السياسية الأخرى القائمة على العصبيات الناتجة عن الولادة، طائفية كانت ام عرقية ام لغوية …

دولة مدنية

نريدها دولة مدنية، أي أنها تتعامل مع المواطنين والمواطنات دون وساطة الطوائف، فالطائفية ليست إلا صيغة من صيغ التشكل الاجتماعي، تخلقها وتبلورها وتقضي عليها مسارات التاريخ، وهي في تشكلها وتطورها قد تأخذ اشكالا وسياقات مختلفة في أدوارها وتعابيرها، طبقا للظرف التاريخي الذي تكون فيه، فطائفية الأرياف مثلا مختلفة جدا عن طائفية المدن، وبالتالي فالطائفية في لبنان ليست قدرا لا فرار منه نتيجة للتركيب السكاني للبلد، بل هي تشكل اجتماعي يقوى ويضعف نتيجة للظروف والخيارات. وهي اليوم قوية لأنها تؤدي وظيفة توزيع المنافع وشراء الولاءات من خلال اقتطاع الدولة وتقطيعها أجزاء محصنة. هذا بالإضافة الى أن الطائفية، بالمعنى السياسي، تتشكل حكما بمواجهة الدولة فتعرقلها وتشوهها. والتعايش بين الدولة والطائفية كتعايش الامراض مع الأجسام الحية، لا بد ان يقضي أحد الطرفين على الآخر في المحصلة، طبعا مع الكثير من الآلام والدموع، ولا حاجة لنا هنا لإعطاء الأمثلة، فهي جلية في ذاكرتنا وحاضرنا بشكل مفجع. حرية الاعتقاد مطلقة، وما من أحد يحق له أن يعتبر أحدا غير نفسه منتميا إلى طائفة.

دولة ديمقراطية

نريدها دولة ديمقراطية لأن الديمقراطية هي صمام الأمان الذي يؤطر غَلَبة الاقلية الحاكمة – وكل سلطةٍ غَلَبةُ أقلية – ويمنعها من تجاوز المكتسبات التي نالتها الأكثرية المحكومة عبر المراحل الانتقالية التاريخية، فتصير هذه المكتسبات حقوقا مكرسة بنصوص دستورية وقانونية، كالانتخابات، والمساواة أمام القانون بين جميع المواطنين والمواطنات، أفرادا، وحق المساءلة القانونية والسياسية… ولايخفى على أحد دور إلغاء الانتخابات النيابية والتمديد اللاشرعي لمجلس النواب مرتين، والاستغناء عن وضع موازنات وحسابات للمال العام، في سلب الاكثرية المحكومة أبسط حقوقها وتعطيل جدوى العمل العام الذي لا تترجم خارجه حرية الإنسان وكرامته.

دولة عادلة

نريدها دولة عادلة، اي أنها تلتزم بتأدية ما تقره من حقوق فردية واجتماعية للمواطنين والمواطنات، فعليا، دون انتقائية ومتاجرة بالمنح والولاءات، وإنما أيضا بأن تدرأ عنهم المخاطر الخارجية، سواء أتت من إسرائيل أو من الأصولية الدينية التكفيرية أو من غيرهما، وهي شديدة في واقعنا، وبأن تؤمن الخدمات العامة، من اقتصادية واجتماعية ومالية، وبأن تواجه السلطة الخبيثة للمال التي تزعم ان أدوار الدول قد انتهت، أي أن السياسة قد انتهت وبات الزمن زمن الإدارة، ولو سمت نفسها رشيدة، وكل ذلك لأن القلق والحاجة يلغيان العدالة.

دولة قادرة

نريدها دولة قادرة، أي أن تؤدي وظائفها تجاه مواطنيها بفاعلية عالية، وأن تنطلق هذه الفعالية من حشد الموارد البشرية والمالية، أي من إلقاء الأعباء اللازمة على المجتمع والاقتصاد بهدف مواجهة التحديات المفروضة على المجتمع من جهة، وتثمير الخيارات التي يتبناها هذا المجتمع في مواجهة الفرص المتاحة من جهة أخرى، وألا تتنازل لجهات خارجية أو خاصة، خيرية أو شرية، عن أي من وظائفها.

الفرصة ثمينة. وما هو ممكن اليوم، على صعوبته، لن يكون متاحا غدا

نعي أنّ دون هذا الطموح عقبات تبدأ من حالة اليأس شبه العامة عند المواطنين والمواطنات اللبنانيين من إمكانية التغيير، ولا تنتهي عند البنية الإقتصادية – الإجتماعية التي ترتكز عليها بنية السلطة القائمة، مرورا بالإفراغ المنهجي للبلد من أكثر من نصف قواه الحية والفاعلة بالتهجير سعيا وراء لقمة عيشٍ غير مغموسة بالاستزلام. وانطلاقا من هذا الوعي تحديدا، نرى أن الوقت يلعب لصالح استمرار الانهيار، ويعزز مخاطر انزلاق الجميع الى العنف، وأن ما هو ممكن اليوم، على صعوبته، لن يكون متاحا غدا.

نطمح الى تظهير فعالية سياسية جديدة تعكس مصالح فعلية في المجتمع، وتعيد صياغة جدول الأعمال الداخلي بناء على قراءةٍ اقتصادية – اجتماعية محددة

نعتقد أن الحياة السياسية في لبنان وصلت إلى نقطة العطب، بسبب الخيارات السياسية التي أخذتها القوى المهيمنة. ونعتقد أن نقطة العطب هذه تشكل مأزقا لكل القوى السياسية، وعت ذلك أم لم تعه. بتنا اليوم في مرحلة انتقالية. وأصبح التعامل مع هذه المرحلة وإدارتها هو الأولوية، وفرض جدول الأعمال هو الموضوع الأساس.

لا بد من تظهير فعالية سياسية جديدة تعكس مصالح فعلية في المجتمع، وتعيد صياغة جدول الأعمال الداخلي بناء على قراءةٍ اقتصادية – اجتماعية محددة. نعتقد أنّه من الممكن والضروري العمل على تلاق ولو ظرفي بين أطراف تنطلق في مقاربتها الفكرية من مشارب مختلفة، من الاشتراكية إلى الليبرالية، في تحالف على التعامل مع المرحلة الانتقالية.

نسعى الى بناء إطار سياسي منظّم، يشكل خياراً جديّاً وجاداً لكل من يعتبر نفسه متضرراً من الوضع القائم، وفي نفس الوقت يكون مستعداً للنضال السلمي من خلال عملٍ جماعي، حيث يشكل هذا “الإطار السياسي المنظم” الرافعة الفعّالة لمشروع إعادة بناء الدولة.