مقال من كتابة جميل فارس.
لم يعد الجنوب كما كان حتى لو تهافتت عليه كل وسائل الإعلام اللبنانية مدفوعة بالتحضير لانتخابات نيابية قد لا تحصل بسبب غياب العنصر اللبناني في إقرارها _ وإن حصلت فقد خبرناها على مدى عقود وهي لم تأتِ على لبنان إلا بالتنازلات للخارج، حتى أنها لم تأت برؤساء منتخبين إنما بتسويات لا تُقارب شكل الدولة أو المؤسسات _ مُصورةً المأساة الجنوبية خصوصاً واللبنانية عامةً على أنها عارض طبيعي يشفى بصبرٍ طال ! يجافيه اعتراضٌ يندرج في إطار الخيانة، جعل السكوت عن التهجير والفقر شيمة وطنية لم نَرَها في أصحاب الدولة والمعالي !
للجنوبين وخاصة قرى الشريط الحدودي تعويضات يمضي عليها الزمن، تشبه ودائع اللبنانيين التي تذوب بفعل التضخم المفرط! المدارس مستوية بالأرض مما زاد كلفة نقل الطلاب لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً، ماء وكهرباء ومداخيل زراعية معدومة للعام الثالث بسبب تحول الأراضي لمناطق ممنوعة بسبب الاحتلال، فأين أيوب من صبر اللبنانين؟ وما هو مقدار التحمّل عند الأُسر التي خسرت مدخراتها البشرية والمادية بالحرب والتهجير الداخلي والخارجي.
إن أخطر ما تمر به قرى الشريط الحدودي هو استعفاء السلطة عن اتخاذ أي خيار بما يتعلّق بإدارة مسار نتائج الحرب الأخيرة، والذي تطوّر ليصبح حالة من اللامبالاة التي يعيشها السكان الذين أثقلتهم خطابات المنابر حتى أتخمتهم منذ أولى أيام وقف إطلاق النار، حتى تمت الاستحقاقات كما تعودنا فتبخرت وعود السلطة، واقتصرت المشاريع الخدماتية على بعض المقاولات في أطر تلزيماتٍ مستقبلية ينهل منها القطاع الخاص كخطوة استباقية قبل أي إقرارٍ رسمي. لا مبالاة غيّبت قطاع الاستشفاء وقطاع التعليم والعمل على لجم انفلات الأسعار دون معايير، مع تقدم عداد الموت الذي استنفذ كل مفردات الرثاء واستمرار تجريف المنازل، فباتت رؤية بيوتِ مُنارةِ من دواعي السرور، أو تجمعاً يزيد على أفراد الأسرة أمراً ملفتاً يدعو للقلق مع الفرح الحذر.
أهل الشريط متروكون لمصيرهم المجهول دون أي بادرةٍ تحدُّ من هذه المعاناة التي أذكتها احتمالية أن تتحول قراهم لمنطقة عازلة، فتصبح اعادة الإعمار كلفةَ غير مُجدية، مع دبلوماسية هزيلة تسلّم ضمناً، منهمكة بالمطالب الخارجية، من دون النظر لأدنى متطلبات الدولة والحياة الإنسانية! سلطة ضائعة في ملفات اقليمية ودولية ولا تستطيع الخوض في غمار الداخل إلا من باب المراهنة والارتهان، كانت تأتي في السابق مرفقة بتحويلات مالية واستهلاك مفرط أوصلت البلاد الى انهيار اقتصادي لم تتفق أطرافها على تقديره حتى اليوم، أو دراسة خسائره التي بدأت بهجرة العقول والطاقات وتفريغ المؤسسات من أدوارها، ليصبح المقيم في هذا البلد عابرَ سبيل أو معدوم الخيارات.
لم تكن عبارة ” بكرا بيتعودوا ” التي تفوه بها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في بداية انهيار سعر الصرف مجرد تصريح أو اجتراح لحل قادم، بل هي من أدبيات السلطة التي تناوبت على ارتكاب الجريمة والتهرب من المسؤولية بشكل يضمن تماسك الجوقة الحاكمة مهما تغيرت الوجوه التي تشغل المناصب بشكل فخري جاهزٍ لإملاءات زعيم الطائفةـ منهجية السلطة هي التخفيف من رد فعل الجمهور من خلال بث القلق والخوف من مواجهة مع زعاماته ضمن الطائفة، لصعوبة الفطام، ومن قلق يغذونه من حربٍ “أهلية ” قادها سابقاً أقطاب الانهيار الحالي، فرضي جنود الحرب أن يكونوا ضحايا وفقراء في حربين مختلفتين من حيث الشكل، على أسس طبقية بعناوين طائفية، وبنتيجة واحدة من حيث المضمون.
المصيبة واحدة من الشمال حنى الجنوب، من الموت غرقاً بمراكب المهاجرين الى الموت بالمسيرات، بين الدعوة لإمارة إدلب شمالاً والمنطقة العازلة جنوباً وعدم الجرأة على تحمل المسؤولية وتغير وكلاء ادارة الملف اللبناني. سوف لن تجد البقية الباقية في لبنان ما تتصارع عليه، بحيث لم تكن الأزمة يوماً أزمة أشخاص ووجوه، إنما نظام سياسي هو ائتلاف زعماء طوائف ناتج عن توازنات خارجية، جعل من لبنان مناطق مستقلة عن بعضها .فيما تسعى الدول التي فرضت هذا النظام الى التحديث الدائم لأنظمتها حسب المتطلبات السكانية والجيوسياسية.
صار الصمت مشبوها، وخيار الانتظار لم يعد متاحا أمامنا، لذا علينا البحث عن سبل بناء وسائل بقائنا في قرانا، هي الوسائل نفسها التي ستسمح لنا، أو لأولادنا، ببناء دولة قادرة هم بأمس الحاجة إليها.

