تأهيل خط كركوك-بانياس؟

وصل علي الزيدي، رئيس وزراء العراق المنتخب خلال الحرب الجارية، الى الولايات المتحدة الأميركية. على جدول اعمال الزيارة اجتماعات لتوقيع العقود اللازمة لإعادة تأهيل خط نقل النفط من كركوك الى بانياس على الساحل السوري، وقد لعب توم براك دورًا أساسيًا في التحضير لهذا المشروع.

أنشئ الخط في الأساس لنقل النفط من كركوك الى طرابلس من جهة وإلى حيفا من جهة أخرى، بدءًا من عام ١٩٣٤. وأغلق خط حيفا مع قيام دولة إسرائيل. ثم في عام ١٩٥٢، أقيم فرع نحو بانياس بعد القطيعة بين لبنان وسوريا ومن ضمن محاولات الجانب السوري عزل طرابلس، التي كانت مرفأ اساسيًا لسوريا. وفي السبعينات، في سياق صراعات حزب البعث العربي الاشتراكي، بين حافظ الأسد وصدام حسين، أقفل خط الأنابيب وأنشئ خط بديل يربط كركوك بميناء جيهان في تركيا وهو لا يزال عاملًا الى اليوم وقد جدّد عقده منذ أسبوع.

تأتي اليوم محاولات تأهيل خط نقل النفط هذا في سياق الترتيبات الإقليمية التي تتصاعد في المنطقة، والحديث يدور حصريًا عن بانياس، لا عن طرابلس. الترتيبات الإقليمية نفسها جاءت بجوزيف عون رئيسًا للجمهورية، وهو يزور الولايات المتحدة في ٢١ تموز الجاري. فماذا على جدول اعمال الزيارة، والترتيبات في المنطقة جاريةُ ولبنان خارجها؟ كما تأتي الزيارة في سياق كلام عن إعادة النظر بخط إيمك (India–Middle East–Europe Economic Corridor) كي لا يكون مصبه على المتوسط حصريا في حيفا بل تكون هناك وجهة إلى سوريا، والسعودية هي طرف أساسي في ذلك. فهل نتفاوض مع هذه الدول كدولة، بعيدًا عن مقولات الحضن العربي والإقامة الذهبية؟

حزب الله يعلن انه يشارك في الحرب اليوم بمنطق العين على الميدان. وكأن الحرب مسألة منفصلة وكأن ميدانها محصور بالمعارك العسكرية. ويخوضها تحت شعار وحدة الساحات، أليست العراق ساحةً من هذه الساحات؟ ألا نستطيع التفاوض مع العراقيين لكي يصل النفط الى طرابلس؟ لكن حزب الله لن يستطيع التفاوض وهو يعتبر نفسه حزبًا شيعيًا وطرابلس قلعة المسلمين، ولن يستطيع ما دام يرى الخارج كساحة واحدة.

ليس نقص المعرفة هو المشكلة، بل العجز. عدم القدرة على حشد الموارد في الداخل والتفاوض مع الخارج، بل عدم القدرة على النظر الى الداخل كداخل، كبشر ومجال وشبكات مصالح. هذا يجعلنا مجرد متفرجين على ترتيبات الفاعلين في الاقليم، ونحن نقدّم التضحيات.

الترتيبات الاقليمية جارية. وبين فتنة هنا وانتصار هناك، يسود العجز في الداخل، والقلق والانكفاء. لا داعي للتوسع في الحديث عن المشهد البائس الذي نراه يتردد كل يوم. ومساراته تأتي على حساب وجود مجتمعنا.

الشركة التي ستعمل على مشروع تأهيل خط كركوك بانياس أنشأها لبناني مغترب من طرابلس. والشركة التي ستنظّم النقل البحري والاستثمارات في بعض المرافئ السورية وفي الكثير من مرافئ العالم يملكها لبناني مغترب. والشخص الذي ينسّق الترتيبات بين العراق وسوريا وتركيا لبناني مغترب. هؤلاء الأشخاص نموذج عن طاقات كبيرة للمغتربين، لا تحشد لان العجز سائد، فنتعامل مع المغتربين كصندوق مال لتمويل استهلاك من بقي من أهلهم.

التعامل مع الخارج يحتاج دولةً فعلية، لا هدنة بين طوائف قلقة ومغامرة، أقصى ما تنتجه الخطابات. دولة تقول إن طرابلس ستكون محورًا أساسيًا في اعادة تشكيل الاقليم وفي تقويم العلاقة مع سوريا. دولة تنظّم الموارد في الداخل للتأثير في مسارات الخارج لمصلحة الداخل، وتشارك في الحرب، ان لزم الامر، دفاعًا عن هذه المصلحة، وتؤطّر طاقات المغتربين. والتفاوض ليس امتحانًا يراقبه الاسرائيلي، والحرب ليست قدرًا ومجرد معارك عسكرية.