دفاعاً عن لبنان: دولة غير طائفية
مقابلة أجراها الصحافي لورينزو ترومبيتا مع عضو في حركة مواطنون و مواطنات في دولة هادي حصني، نشرت في جريدة المانيفستو الإيطاليّة:
قدرة لبنان الدفاعية أمام إسرائيل اليوم تعتمد، قبل كل شيء، على القدرة على بناء دولة قادرة على حشد الموارد الداخلية ومواجهة أي تهديد خارجي. هذا هو رأي هادي حصني، 35 عاماً، القيادي في حزب ’’مواطنون ومواطنات في دولة‘‘ (ممفد)، وهو حزب لبناني تأسس قبل عشر سنوات على يد الخبير الاقتصادي والأنثروبولوجي الإجتماعي شربل نحاس، وزير العمل السابق. ويدعي الحزب تركيبة تتخطى الانتمائات الطائفية، ويسعى إلى التمهيد لبناء دولة مدنية باعتبارها البديل الوحيد للنظام الطائفي الراهن، الذي يعيش أزمة متصاعدة ومع ذلك, يبقى عاجز عن الخروج من المأزق الذي تفاقم بفعل الحرب الإسرائيلية المدمرة الجديدة.
يقول حصني: ’’على المدى القريب، ما نحتاج إليه هو هدنة حقيقية ومستقرة ومطوّلة مع إسرائيل‘‘. وحسب قراءته، يجب أن تُستغل هذه الهدنة للانتقال من مقاومة مُفوّضة لحزب الله، إلى دفاع وطني يستند إلى القدرة الإنتاجية والمالية والعسكرية للدولة. ويضيف: ’’لا تستطيع الدول التفاوض مع دول أخرى إلا عندما تملك شيئاً تقدمه. عندما تُنتج شيئاً. وليس عندما تكتفي بالاستهلاك وتصبح نوعاً من الملحق بدول أخرى‘‘.
ولتحقيق هذا الهدف، لا بد من إحداث ثورة في البنية السياسية للبنان. يقول حصني: ’’النظام ليس مجرد مجموعة أفراد يمسكون بالسلطة ويحملون العصا لقمع بقية المجتمع. النظام‘‘، يشرح، ’’موجود في كل العلاقات داخل المجتمع، بين الأفراد والجماعات، وعلى كل المستويات. النظام هو المنطق الذي يهيمن على المجتمع بأكمله‘‘. فبدلاً من العيش في بلد يقوم على الانتماء المشترك للمواطنين لمشروع دولة، يطفو لبنان، منذ ثلاثين عاماً على الأقل، في ما يسميه حصني ’’هدنة بين الطوائف‘‘، ضمن بنية ’’تتمايل حسب القوى الخارجية، كسنابل القمح‘‘.
يصف كثير من المراقبين هذه القدرة بـ’’المرونة‘‘. أما بالنسبة لحصني، فهي إعتماد منظم على جهات خارجية، كنتاج للافتقار إلى أي استقلالية إنتاجية داخلية. ويوضح: ’’هذه المرونة لا تملك قوة دافعة داخلية. إنها موجودة لإمتصاص الأزمات. لكن عندما تضرب عواصف مثل التي نعيشها اليوم، يصبح القمح مهدد بالانكسار‘‘. ويضيف أن لبنان هو البلد الوحيد الذي بنى نظاماً يجذب الأموال من الولايات المتحدة وإيران في الوقت نفسه.
’’جانب يستند إلى واشنطن والآخر إلى طهران، ومع ذلك يجلس الجانبان معاً في الحكومة نفسها. مما يعني تخلّي الدولة عن إدارة المجتمع، بينما يكتفي الزعماء الطائفيون، كلٌ ضمن قاعدته الطائفية، بتوزيع الأموال، مستندين إلى المساعدات والحماية الأجنبية‘‘.
هذا النمط يعيش الآن أزمة. فمنذ الافلاس المالي الذي ظهر في عام 2019، مروراً بحراك إحتجاجات تشرين الأول، ثم الجائحة، وصولاً إلى الحرب الإقليمية التي اندلعت في 7 تشرين الأول 2023 ولا تزال مستمرة، تعرّض النظام اللبناني لصدمات غير مسبوقة. والأهم من ذلك هو هجرة الشباب: فوفقاً لأرقام الأمن العام اللبناني التي يستشهد بها حصني، غادر 800 ألف لبناني البلاد منذ عام 2022.
يقول حصني: ’’الهجرة تجرف كل شيء، بما في ذلك القاعدة الشعبية لهؤلاء الزعماء‘‘. ويدرك الزعماء الطائفيون عمق الأزمة: ’’نحن نتحدث معهم باستمرار. إنهم قلقون، مرعوبون. يعرفون أن النظام متعطل، لكنهم لا يستطيعون تغييره. يخشون أن يُسحقوا، حتى جسدياً، إذا حاولوا معارضة منطقه الداخلي‘‘.
ومن هنا يأتي الشلل الراهن: فالزعيم الطائفي يشتري الوقت، ويغذي القلق والخوف، ويحمّل الطائفة الأخرى مسؤولية الأزمات. ويبقى شبح الحرب الاهليّة، الواقع التاريخي للبنان بين عامي 1975 و1990، أحد آخر الأدوات المتاحة للزعماء الطائفيين. يقول حصني: ’’نحن نجد أنفسنا في مأزق صفري النتيجة (a zero sum deadlock)‘‘. ويبقى الفريقان، الفريق السيادي المدعوم من الولايات المتحدة وفريق المقاومة المدعوم من إيران، متواجهين ’’كما في شد حبل دائم‘‘، بينما ’’ينزلق الناس إلى يأس أعمق‘‘.
وفي خضم هذه الأزمة، تبذل إسرائيل كل ما في وسعها لدفع لبنان نحو الإنهيار الداخلي. وحسب رأي حصني، لا يُقاس التقدم الإسرائيلي كثيراً بالكيلومترات المحتلّة أو المنازل المدمرة، بل بالتأثير السياسي الذي تحدثه استراتيجيتها بين اللبنانيين أنفسهم. ففي عام 2006، ضربت إسرائيل البنى التحتية في كل أنحاء لبنان. أما اليوم، فتعمل بطريقة مختلفة: تسعى إلى تضخيم فكرة وجود مناطق آمنة ومناطق معرضة للخطر، وطوائف محمية وطوائف مُضحّى بها، وقرى مسيحية مثل رميش يُراد تقديمها على أنها قابلة للإنقاذ، بينما تُترك أراضٍ أُخرى للدمار.
يقول حصني: ’’إنهم يعملون على الانقسام الداخلي وحتى الآن ينجحون في ذلك‘‘. والهدف هو دفع كل جماعة للبحث عن الحماية خارج الدولة، داخل انتماءات طائفية عمودية ومنفصلة، يتمسك كل منها بزعيمه، وبراعيه، وبخوفه، حتى يُعاد فتح شبح الحرب الأهلية.
فيصبح السؤال حتمياً: ما هو البديل؟ يجيب: ’’أولاً، يجب أن تتوقف هذه الحرب. ما نحتاج إليه مع إسرائيل هو هدنة مطوّلة‘‘. ثم يضيف: ’’يجب إطلاق ثلاثة مسارات في وقت واحد: إجراء تعداد سكاني، افتقر إليه لبنان منذ ما يقرب من مئة عام؛ وخدمة عسكرية ومدنية إلزامية للمواطنين والمواطنات؛ وحشد الموارد من خلال نظام ضريبي عادل ومنظم، وهو أمر غائب تماماً في لبنان‘‘.
التعداد السكاني يكسر الرابط التلقائي بين الفرد والطائفة. يشرح حصني: ’’اليوم، تولد وفي سجلّ عائلتك يضعون عليك علامة: كأنهم يأخذون عيّنة من دمك ليقولوا إن دمك شيعي، أو درزي، أو ماروني، أو سنّي.‘‘. بدلاً من ذلك، يجب تسجيل الأفراد حسب مكان إقامتهم، وليس حسب انتمائهم الطائفي. لكن كيف يمكن تنظيم تعداد سكاني بسرعة في بلد يُصوَّر على أنه يفتقر إلى الموارد؟ يجيب: ’’إذا نُظّم بشكل صحيح، فإن حظر تجول لمدة 24 إلى 48 ساعة سيكون كافياً، مع قيام الجيش بزيارة المنازل وتسجيل الأفراد‘‘.
ويؤكد أن الموارد موجودة: ففي عام 2025، استورد لبنان سلعاً بقيمة 21 مليار دولار، ولم يُصدّر سوى حوالي 3 مليارات. وتم تعويض العجز في الغالب عبر التحويلات المالية وإنفاق المغتربين. يقول: ’’في لبنان، الموارد ليست ناقصة. ما ينقص هو دولة تعرف كيف تحشدها من خلال سياسة ضريبية شرعية‘‘.
وفي الوقت نفسه، من شأن الخدمة العسكرية والمدنية الإلزامية للنساء والرجال أن تعزز الجيش تدريجياً، بما فيهم الشباب الذين ينخرطون اليوم في صفوف حزب الله، وإعادة بناء الإدارات المدنية التي أضعفتها الأزمة المالية أكثر. ويرى حصني أنه من الضروري ’’طي صفحة نموذج الطائف‘‘، الاتفاق الذي أنهى رسمياً الحرب الأهلية وشرعن التعايش بين الجيش الوطني ومقاومة مسلحة موازية.
ويقول: ’’لا يتعلق الأمر بالتخلص من حزب الله‘‘، بل برفض فكرة وجود مقاومة منفصلة عن الجيش، وبالتالي مجتمع منقسم بين من يقاتلون ومن يفكرون في شيء آخر. ويضيف أن سيادة الدولة لا يمكن أن تنبثق من هزيمة أو استبعاد طائفة أو أكثر. ومع ذلك، يتجه المنطق الطاغي اليوم في الاتجاه المعاكس. ’’انسحب الجيش، وكأن الأمر لا يعنيه، بينما بقي حزب الله في الجنوب‘‘. وهذا يعمق الشرخ الداخلي ويعزز لدى سكان الجنوب فكرة أن الدولة تحمي لبنانيين آخرين، وليس هم.
لكن في لبنان الذي كان لديه دائماً، منذ نشأته قبل مئة عام، جيش مُقيَّد الأجنحة ورهينة للإرادات الأجنبية، كيف يمكن بناء قوى مسلحة جديرة بهذا الاسم؟ يجيب حصني: ’’منذ ولادتي، لم أسمع أبداً لا السياديين ولا أنصار المقاومة يتحدثون عن تمويل الجيش‘‘. فقوانين الموازنة لا تحدد أبداً الموارد الداخلية اللازمة لمثل هذا المشروع.
ومع ذلك، حتى بدون القدرة على تحقيق التكافؤ مع إسرائيل، ’’لا بد من البدء من مكان ما‘‘: للتوقف عن التسول لمؤتمرات المانحين، والأموال من الولايات المتحدة وحلفائها، أو التمويل الإيراني لحزب الله، أو الاستقرار المُفوّض لقوات دولية مثل اليونيفيل. والطريق إلى الأمام، بالنسبة له، هو حشد الموارد الداخلية من خلال ’’سياسة ضريبية عادلة وشفافة ومنظمة‘‘، قادرة على خلق شعور لدى الناس ’’بالانتماء للدولة‘‘ وفكرة أن ’’هناك شيئاً نبنيه معاً‘‘.
لماذا لا يقترح أحد مثل هذه الصيغة؟ لأن النظام العمودي والطائفي يجعل ذلك شبه مستحيل. ويستشهد حصني بعمدة نيويورك زهران ممداني: يمكن لسياسي أن يفرض ضرائب على الشقق عالية القيمة مع علمه بأنه قد يخسر أقلية من أصحاب العقارات الأثرياء جداً، بينما يكسب دعم أغلبية من المستأجرين. أما بالنسبة للزعيم الطائفي اللبناني، فذلك سيكون بمثابة انتحار سياسي. فحيزه الطائفي المغلق يضم مصالح متناقضة: ملاكاً ومستأجرين، من يدفعون ثمن المولدات ومن يملكونها، من يستوردون الوقود ومن يعانون من تكلفة الكهرباء. وأي خيار ضريبي سيفقده جزءاً من قاعدته الشعبية دون أن يضمن له الدعم في مكان آخر. ولهذا السبب، يقول حصني، يفضلون عدم تغيير أي شيء. وبالنسبة لحصني و’’مواطنون‘‘، فإن التغيير يجب أن يبدأ بالضبط من تفكيك هذه البنية العمودية: فدفاع لبنان ضد إسرائيل يمر، قبل كل شيء، عبر بناء الدولة.


Share this entry