النظام الذي تكرس خلال الحرب الأهلية وأصبح قائما بوضوح منذ التسعينات الى يومنا هذا، يعتمد بشكل حيوي على تدفّق كميّة كافية من العملات الأجنبيّة سنويّاً، أي الدولارات. هذه الاحتياطات من الدولارات المتراكمة عبر السنين، شارفت على النفاذ. وظروف قدوم دولارات غيرها بالكميّة الوافية وبشكل مستدام، لم تعد متاحة. لذلك، الوقود الذي يحرك المنظومة القائمة لم يعد متوفّرا، فكيف إذا لهذه العجلة أن تستمر بالدوران؟ من هنا، نستخلص بأن التغيير حتمي، ليس لأنّنا أردناه، بل لأن استمرارية ما كان قائماً أصبحت مستحيلة.

ان كان التغيير حتمياً، فما هو الذي سيتغير؟ يمكننا تبسيط الإجابة بخيارين:

  • الخيار الأسوأ وهذا للأسف ما يجري حاليًّا، وهو أن يتكيّف المجتمع بما يسمح بإطالة عمر سلطة ائتلاف زعماء الطوائف. فتُجبر نسبة كبيرة من الطبقة المنتجة في هذا المجتمع، بشكل أساسي الشباب، على الهجرة. فيتقلّص الاستهلاك المحلي للدولارات ويتعزّز التدفق مجدّداً من خلال ارسالهم أموالًا لإعانة أهاليهم. فيتآكل المجتمع تدريجيًّا حتّى يتحقق توازن كافٍ يؤمن استمرارية النظام بشكله الحالي. ويتجرّد المجتمع من أي مقدرة على النهوض لفترة طويلة، ويقضى على أية فرصة له للتعاف لعقود.
  • أمّا الخيار الثاني، فهو أن يُنظر الى المجتمع كأولوية فيتوجب حمايته والدفاع عنه. وليتحقق ذلك، لا مفر من أن يصيب التغيير بنية النظام نفسه. فتنتقل السلطة من ائتلاف لزعماء طوائف، الى الصيغة الوحيدة القادرة وظيفيّاً عن الدّفاع عن المجتمع، كل المجتمع، وهي الدّولة.

نحن في مواطنون ومواطنات في دولة، نعي بأنّ التغيير محتوم، وبالتالي هدفنا الاسهام في التأثير على وجهته، وهذا الاسهام يجب أن يكون حاسماً. الآن وهنا، أي خطوة أو موقف أو خيار مواجهة يؤخذ من قبلنا يجب أن يكون خدمةً لهذا الاسهام، أي بناء الدولة المدنية الديمقراطية العادلة والقادرة. انّ فرصة التغيير مؤاتيه، بل تاريخيّة، وقد لا تتكرر، والحاجة ملحّة لقيام دولة تحمي مجتمعنا المهدد، فأي خسائر تطال المجتمع لن تكون قابلة للاسترداد ولكن الخسائر تتحول إلى تضحيات متى كانت هادفة في سبيل بناء دولة