حتّى اليوم، وبعد حصول الانهيار، لم تعتمد أية أيّ سياسات اقتصادية لا لتخفيف الآثار الاجتماعية للنمط الاقتصادي، قبل انهياره، ولا لمواكبة المرحلية الانتقاليّة التي افتتحها انهياره.

بقي النظام السياسيّ اللبنانيّ يسعى لتحصيل الدعم الخارجي في ظل غياب الدولة، يتحيّن زعماؤه الفرص وينقلون ولاءاتهم من طرفٍ الى آخر ويعيدون التموضع، وهم اليوم يسهرون على استبقاء النظام الذي يمثل مصلحتهم المشتركة. ما حصل في الطائف وفي الدوحة، وفي باريس 2 خير دليل على كيف استطاعت المنظومة التمديد لنفسها 17 عاماً. خلال هذه الأعوام السبعة عشر، ظهّر مصرف لبنان نفسه على أنّه قادرعلى التحكّم بالأدوات التي تحدّد سلوك اللاعبين المعنيين: المصرفيين وكبار المودعين. كما أنّ ما سمح بإطالة عمر هذه المنظومة أيضاً هو إعادة تشكل المصالح والتحالفات، فدخلت المصارف طوعاً، طمعاً في الربح، حتّى أنّ العديد من الأسر، وفي ظل غياب نظام تقاعدي أو شبكة أمان اجتماعية، باتت تعتمد على الفوائد من المصارف.

تراجعت نسبة السيولة الفعليّة إلى الكتلة النقديّة الإجماليّة بين عاميّ 1992 و2002 من 60% الى 10 %، لكن ظروفا خارجيا وفرت مرحلة استراحة وتمدي طالت عشر سنوات، وعادتللتراجع بين عاميّ 2012 و2019 من 30% الى 3%، فانفجرت الأزمة.

 

يمكن تقسيم مراحل تطور علاقة مصرف لبنان بالمصارف وبالحكومات المتتالية الى خمسة مراحل. الأولى بين عامي 1991 و1997، حيث ولّدت عمليّة المضاربة النقدية المنظمة عامّ 1992 جذباً للأموال الخارجيّة ووظّفت لتخفيض قيمة اللّيرة اصطناعياً مع الإبقاء على فوائدها العالية. المرحلة الثانية بين عامي 1998 و2001، وهي مرحلة السيطرة على الإنفاق، ما قلل من عائدات الفوائد على اللّيرة ووصل الى شفير انهيار نقدي عشية باريس 2. المرحلة الثالثة بين عامي 2002 و2007؛ اغتنم مصرف لبنان الفرصة ليفرض على المصارف احتياطياً الزامياً على ودائعها بالعملات الأجنبية، فانسحبت المصارف الأجنبية تباعاً، ولكن لم تعد ثنائية ليرة-دولار محوريّة بعد ارتفاع أسعار النفط الذي ولّد دفقاً مستمراً للعملات الأجنبية. في المرحلة الرابعة بدأ التحوّل البنيوي الثاني، حيث قرر مصرف لبنان تحصيل جزء متزايد من العملات الأجنبية عبر إصدارات اليوروبوند وشهادات الإيداع، هنا تراجعت حصّة المصارف لبنان من الموجودات الخارجية بحدّة. أما في المرحلة الخامسة، بين عامي 2012 و2019، فتراجعت الموجودات الخارجية الصافية الإجمالية، إنما مع بلوغ موجودات المصارف التجارية الخارجية الصافية مستويات سلبية قياسية بينما احتفظ مصرف لبنان بموجودات خارجية (غير صافية طبعا) مستقرة.