ليس العداء موقفا لفظيا ولا هو حالة طبيعية في العلاقات بين الدول، بل هو موقف استثنائي يرتب على من يلتزم به أعباء جساما. غالبا ما يكون العداء مجرد موقف لفظي. وحتى متى كان جديا، يتوجب أن يقوم على خيار عقلاني، لا أن يأتي نتيجة مشاعر ذاتية، واقعية متأصلة أو مفتعلة لخدمة غايات معينة، وإلا يتحول من يلتزم به إلى أسير له. ولا بد بالتالي من أن يكون مبررا بأسباب وأهداف. العداء يكون ردا أو قصدا، ردا على سلوك عدواني تعتبره الدولة مهددا لمصالحها الأساسية، أو قصدا لفرض ما تعتبره الدولة تحقيقا لمصالحها الأساسية، وهو بالتالي يفترض عداء مقابلا أو يستولد عداء مقابلا. في الحالة الأولى تكون غايته تعطيل الأسباب التي أدت إلى اعتماده، أي فرض تغيير القواعد العدائية لسلوك الخصم، أما في الحالة الثانية فتكون غايته فرض تحقيق الهدف الذي يرمي إليه، أي فرض تسليم الخصم بالشروط التي تحقق هذا الهدف.

العداء ينطوي حكما على مخاطر استخدام العنف، بأشكاله المختلفة، لكنه لا يقتصر على استخدام العنف. فالعداء فعل سياسي بينما العنف وسيلة، والتهديد به جزء من حالة العداء، ردعا من موقع العداء الدفاعي، وترهيبا من موقع العداء العدواني.

نحن، في حركة “مواطنون ومواطنات في دولة”، نعتبر أن المشروع الصهيوني، في أساسه، وقبل أن ينشئ دولة ويشكل مجتمعا، مشروع عدوان يصيب مجتمعنا ويهدد أسس شرعية الدولة المدنية الذي يحتاجها.

المشروع الصهيوني نشأ من تقاطع مسعيين: تأطير رعايا الأمبراطورية القيصرية اليهود في مشروع قومي، إثر تعرضهم للاضطهاد نتيجة اعتمادها القومية الروسية اساسا لشرعية السلطة، والمراهنة الدؤوبة على كسب دعم الدول العظمى من خلال التجند لخدمة مشاريع بعضها في الإقليم، سواء في المرحلة الاستعمارية عبر توفير المساندة للبريطانيين في الحرب العالمية الأولى، وللفرنسيين غداة الحرب العالمية الثانية، أو في المرحلة الإمبريالية، عبر التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية.

لم يكن إنجاز أي من هذين المسعيين تلقائيا. فالتشكل القومي ليهود أوروبا الشرقية كان على تعارض مع ميل العديد منهم للهجرة إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية من جهة، ولانخراطهم العديد منهم أيضا في الحركات الليبرالية والاشتراكية في بلدانهم أو في البلدان التي هاجروا إليها. الفظائع التي ارتكبها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية عززت الخيار الصهيوني. أما توسع المشروع الصهيوني ليطال يهود الدول العربية، فلم يحصل إلا بعد إنشاء دولة إسرائيل وقد اعتمد على استغلال حثيث لا بل على افتعال وتأجيج لمصاعب مجتمعاتها. أما المراهنات الخارجية فكانت دوما محفوفة بالمخاطر، وتكفي الإشارة إلى ما ولده انحياز الحركة الصهيونية لبريطانيا من امتعاض في ألمانيا استغله النازيون في حملات الإبادة، وإلى تصادمها مع بريطانيا عندما راحت تخسر مستعمراتها على الرغم من رعايتها له طوال مرحلة “انتدابها” على فلسطين، وإلى ما ولده انحيازها للأمريكيين في الاتحاد السوفياتي من مناهضة للتوسع الإسرائيلي حتى السبعينيات.

نجاح المشروع الصهيوني ترجم إقامة لدولة قوية وتشكيلا لمجتمع، من ضمن هذه الدولة، بات أوسع وأكثر تعقيدا من مجموعات رواد المشروع الأصليين. تفاقمت الإشكاليات المجتمعية بحكم تزايد الفوارق الطبقية والثقافية بداخله وإنما أيضا بنتيجة ضم أعداد كبيرة ومتزايدة من العرب الفلسطينيين سواء ضمن حدود سنة 1948 أو ضمن المناطق المحتلة سنة 1967. نجاح المشروع في تشكيل مجتمع ولّد حاجة متزايدة لاستبقاء عدوانيته، وإلا تتفلت التناقضات الطبقية والثقافية داخل المجتمع، وتُصاب أسس شرعية الدولة التي حرصت على “الديمقراطية” و”العدالة الاجتماعية” و”حكم القانون”، لا لشيء بل للتمكن من استيعاب المهاجرين اليهود، فتتعطل فاعلية المشروع الأصلي بذاته. الحاجة الوظيفية للعدوانية ترجمت، بشكل متزايد منذ عقد التسعينيات،  توسيعا مستمرا للمستوطنات، ومنحا المستوطنين الامتيازات، وتعميقا لنظام فصل عنصري، وبناء للجدار، وانسحابا من غزة مع فرض الحصار عليها، وعزلا “للجيوب الفلسطينية”، ونموا للنزعات الدينية الأصولية، وانحرافا متزايدا للتشكل السياسي اتجاه اليمين المتصلب، وإعلانا ليهودية الدولة، وإطباقا على ما سمي “مسيرة السلام” و”حل الدولتين”.

لم يتعامل المشروع الصهيوني يوما مع المجتمعات الذي زرع كيانه بينها، وأولها المجتمع اللبناني، إلا باحتقار شديد، في سياق الفكر الاستعماري الذي نشأ المشروع ضمنه. ودأب على تفتيتها وتعزيز انقساماتها واستغلالها لإضعاف ممانعتها طبعا وإنما أيضا لتظهير، لا بل لصناعة الأشكال من “الأعداء” التي تصون لحمة مجتمعه وعصبيته وتعزز مبررات دعمه لدى الدول الغربية، من الأصوليات الدينية تحديدا. ولم يحد يوما عن اعتبار أي مشروع سياسي “نهضوي”، بدءا من المشروع الناصري، تهديدا له، ليس بقدراته العسكرية حصرا بل بمضمونه السياسي الذي يصيب أسس المشروع الصهيوني وشرعيته ضمن مجتمعه ولدى داعميه على السواء. و”التطبيع” الجاري مع عدد متزايد من الأنظمة العربية يندرج في هذا السياق تماما، فهو، إلى جانب المصالح التجارية التي يوفرها، يرمي إلى إعادة تشكيل المجال الإقليمي جيوسياسيا عبر تهميش الدول المحيطة لا بل تفتيتها (لبنان وسوريا والعراق) وتطويع مصر والأردن (السيطرة على البحر الأحمر عضوية في هذا السياق) وربط إسرائل بالخليج كقطب مقابل لها، وصولا إلى المحيط الهندي وآسيا. وعملية التطبيع هذه تستغل حاجة الأنظمة التي تنجر إليه إما للحماية الأميركية وإما لـ”ـلمساعدات” الأميركية. عداء لبنان للمشروع الصهيوني ليس إيديولوجيا ولا لفظيا، وليس مقتصرا على مساحة محتلة من الأرض، قد تسوى، أو على رفض الظلم الإجرامي الذي ألحقه بالشعب الفلسطيني، الذي قد يرضخ بعض ممثليه للقهر فيسلموا به، بل هو ينبع من كونه، كمشروع سياسي في الأساس، يعارض الشرعية المدنية للدولة التي وحدها تستطيع تأطير مصالح مجتمعنا. المشروع الصهيوني يتعامل مع المجتمعات عموما بوصفها طوائف وشبكات سلطوية، ويتعامل مع منطقتنا بوصفها ممرات استراتيجية ونفطا، ويثابر على دك الشرعية الداخلية للأنظمة، ولا سيما التحديثية الوطنية، وعلى تعزيز العصبيات العنصرية فيها، وهو يفعل ذلك حتى في المجتمعات الغربية وصولا إلى رفع منسوب القلق ضمن المجموعات اليهودية فيها، وعلى ابتزاز الانظمة ومصالح حكامها. عداء لبنان، كدولة، أي كمشروع سياسي، للمشروع الصهيوني هو بالتالي عداء أصيل وعقلاني.