تنقسم السنوات الثلاثون منذ نهاية الحرب الأهلية إلى حقبتين متساويتين:

  • خمس عشرة سنة أولى، كانت السلطة تتشكل تحت “رعاية الحكَم السوري”، ممثلا بمن ارتضوا وصايته من زعماء الحرب، بشراكته مع السعودية ممثلة برئيس الحكومات رفيق الحريري، كانت الحكومات خلالها تؤلف بسرعة ويتولى “الحكم السوري”، بشراكته مع السعودية، ترتيب أمورها، تشكيلا وتوجيها.
  • وخمس عشرة سنة ثانية، بعد سحب الوكالة من السوريين، معيارها حكومات “الوحدة الوطنية”، أي ائتلاف ممثلي تعاونية الزعماء الطائفيين، الأصيلين منهم المشاركين في السلطة منذ مطلع التسعينيات، والطارئين الذين دخلوا في نادي الحكومات بعد زلزال سنة 2005، أي حزب الله والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والكتائب. كان تأليف كل حكومة خلالها يستلزم مفاوضات طويلة وملتبسة.

كل من هاتين الحقبتين استدعت تحضيرا وترتيبا لبضعة سنوات، ولم تخلُ أي منهما من فترات توتر وارتباك. لكن ذلك لا يلغي السمة الغالبة لكل منهما.

حكومات “الوحدة الوطنية” في العالم/ تأتي في الحالات الاستثنائية، كالحروب مثلا. تحويلها إلى قاعدة يلغي كل الكلام عن ثنائية برلمان وحكومة وعن فصل سلطات ورقابة. حكومات “الوحدة الوطنية” في لبنان ليست حكومات بالمعنى المألوف للكلمة، بل هي محطات استراحة، أو هدنة، بين جولتين من التوترات الإقليمية، يسعى خلالها كل من زعماء الطوائف للتوفيق بين ارتهاناته أو رهاناته الإقليمية وحرصه على استبقاء النظام وتكييفه من دون الانزلاق إلى العنف على الساحة الداخلية، وهذا ما يسمى تحديداً “النأي بالنفس”. في غياب الهدنة يكون الفراغ وانتظار التأليف أو حتى “حكومات لون واحد”. والهدنات تأتي دائما بترتيب أو بإيحاء خارجيين: “مؤتمر الدوحة، “التسوية الرئاسية”، “مؤتمر سيدر”… أما جولات التوتر فكانت، تباعا، مسلسل الاغتيالات، وحرب 2006، والمحكمة الدولية، والحرب في سوريا، وأخيرا إفلاس البلد.

عند كل هدنة، يجهد زعماء الطوائف لإدخال تعديلات على نظام “تعاونيتهم”، ويحولون تغيرات موازين القوى الإقليمية إلى “مكاسب” و”استعادة حقوق”، فيسمونها أعرافا وينتجون عبارات تضاف إلى معجم خطابهم: الثلث الضامن/المعطل”،”الشعب والجيش والمقاومة”، “الوزارات السيادية والوزارات الخدماتية”، “المكونات الرئيسية”، “الميثاقية والتوازن الوطني”… وكلها تقع، خلف الصياغات اللفظية، ضمن منطق صياغة حقوق النقض المتبادلة، أي منطق تعطيل إمكانيات اتخاذ أي قرار.