ليست سوريا نظاما بل هي مجتمع، واختزال “الموقف” من سوريا بين من يؤيد “النظام” ومن يعارضه، علما أن من يسمَّون زعماء في لبنان تنقلوا مرارا وتكرارا من وضوح الولاء إلى وضوح العداء، لكنهم لم ينظروا يوما إلى سوريا إلا بوصفها نظاما، يستعينون به إن قوي لصالح حساباتهم الصغيرة، ويناهضونه إذا ضعف لحساباتهم الصغيرة أيضا، فهم كانوا وما زالوا عاجزين عن تصور أن هناك مجالا ومجتمعا واقعيا، في لبنان أصلا فكيف في سوريا، وأن السلطة، بسوء وبحسن تدبيرها، متشكلة في المجتمع وتؤثر فيه.

لم تكن العلاقة بين الجمهوريتين اللبنانية والسورية سوية في يوم من الأيام، منذ استقلالهما عن المنتدب-المستعمر الفرنسي. وقد سارتا في اتجاهين مفترقين منذ ذلك الحين، على الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، نتيجة اختلاف بنيتهما الاجتماعية (انتقال ديمغرافي متقدم في لبنان ومتأخر في سوريا، توسع للتعليم، ولا سيما تعليم النساء، في لبنان مقابل سوريا، واختلاف ميزان سكان المدن الريف) والاقتصادية (غلبة التجارة والمصارف في لبنان مقابل غلبة الزراعة والحرف في سوريا) وبنية مجالهما (بين تركز واضح حول بيروت، وتنافس أقطاب مدينية عدة، أبرزها دمشق وحلب) ومواقع السلطة في كل منهما (وزن البنى العشائرية في سوريا مقابل اقتدار البنى الطائفية والدينية في لبنان). حصلت القطيعة وفصل العملة والوحدة الجمركية منذ مطلع الخمسينيات، إذ فضلت البورجوازية اللبنانية اعتماد سياسية ليبرالية متشددة وتعزيز قيمة النقد والاكتفاء بالحد الأدنى من دور للدولة، مطمئنة إلى هيمنتها، ولو خسرت السوق السورية، بينما أصرت البورجوازية السورية على سياسات حمائية لتعزيز الزراعة والصناعة، ووسعت دور الدولة لاستيعاب مجتمع أقل تماسكا. وازداد هذا الافتراق حدة مع سلسلة الانقلابات في سوريا وموجات التأميم. انعكس ذلك تراجعا مضطردا للروابط التجارية بينهما وسعيا حثيثا من قبل سوريا إلى الاستغناء عن موقعي بيروت وطرابلس القطبيين، فضمرت مبادلاتهما السلعية والخدمية بينما ارتفعت وتائر انتقال العمالة والرساميل والتهريب على أنواعه.

استغلت سوريا موقعها الجغرافي الذي بات مطوِّقا للبنان منذ احتلال الصهاينة لفلسطين، ومارست ضغوطا عليه في مراحل عدة، عبر إغلاق الحدود تكرارا، ورفضت قيام علاقات دبلوماسية بين الدولتين، تحت مزاعم الأخوة و”سلخ لبنان عن سوريا” و”الشعب الواحد في دولتين”. تدخلت في الحرب الأهلية اللبنانية خوفا من مفاعيلها عليها، مرة لصد مآرب ياسر عرفات، الفعلية أو المنسوبة، ومن جاراه من اللبنانيين، ومرة لصد مآرب إسرائيل، المعلنة جهارا، ومن جاراها من اللبنانيين. وتوصلت إلى تثبيت هيمنتها عليه، سعيا لتحسين موقعها الإقليمي، من خلال تحيّن ظرف إقليمي ودولي تمثل بما سمي اتفاق الطائف، عقب اجتياح صدام حسين المغامر للكويت، وفي ظل بوادر انهيار الاتحاد السوفياتي الوشيك. فمارست هيمنة سياسية وعسكرية مباشرة على لبنان طوال 30 سنة، نصفها تحيّنا، بين عامي 1976 و1990، ونصفها بتوافق إقليمي ودولي كاملين، بين عامي 1990 و2005.

أدى التداخل الحميم بين أركان النظام السوري وزملائهم اللبنانيين إلى تلاقح مرضي: عمل السوريون منهجيا في لبنان على التصحير المجتمعي الذي مارسته أجهزتهم في سوريا، فحولوا النقابات والنظام الجامعي والأحزاب إلى مسخ، ووزعوا المهام والمغانم بين وكلائهم وشركائهم اللبنانيين، الاقتصاد لهذا والإدارة لذاك والمقاومة لذلك إلخ،  لجعل كل منهم مدينا لهم وفي تنافس مع الأخرين، ولجعلهم جميعا بحاجة دائمة لدور الحكم الذي تولته أجهزتهم. في المقابل، استساغ القياديون السياسيون والأمنيون ما رعوه في لبنان، واندفع اللبنانيون إلى إغداق المنافع إليهم، فراحت تلك القيادات تستنسخ “النموذج اللبناني” في سوريا، من أمثال سوليدير والمناطق الحرة وعقود الخلوي والمصارف… وما أن انتقل الحكم من حافظ إلى بشار الأسد حتى انطلقت في سوريا، بتشجيع دولي لافت، عملية إغراء للأغنياء الجدد، ولا سيما من أبناء المسؤولين الأمنيين وأقربائهم، مشفوعة بحملة من النيو-ليبرالية القصيرة النظر، أدت إلى تفكيك التحالف الطبقي الذي كانت السلطة قائمة عليه، وإلى زعزعة الآليات التي كانت تسمح لها، عبر دعم الأرياف، باستيعاب الأعداد المتزايدة من الريفيين في أجهزتها. فحصلت موجة هائلة من النزوح من الريف، زادت حجمها الظروف المناخية، إلى ضواحي مدن كانت تشهد في الوقت نفسه فورة في أسعار العقارات، فتشكلت العشوائيات التي تحولت، بعد حين، إلى حاضنة للثورة التي فاجأت الحكم في مطلع سنة 2012.

تفكك البنيان السياسي والمؤسسي والاجتماعي الذي جهدت السلطات المتعاقبة في سوريا، تحت عناوين مختلفة ومتباينة، وطول ستين سنة، لإنشائه، تفكك في ظل رهانات وارتهانات مجرمة وغافلة أقرب ما تكون إلى استعادة لما شهده لبنان، قبل سوريا بأربعين سنة. لن تعود سوريا كما كانت أو كما صِوّرت، ولا لبنان يعود كما كان وكما صوُّر. انتهت الأساطير. الأسبقية في المعاناة والحاجة الوظيفية الحيوية ترسمان للبنان، متى تشكل كدولة واثقة من شرعيتها، أن يسهم في إعادة تشكيل المجال الإقليمي، وإلا الاستباحة والتبدد.

في ظل المراهنات القاصرة، استقر في لبنان ما يقارب مليون ونصف مليون سوري، وجلهم من الريف الممزق. لم يستقبلهم اللبنانيون عن وعي سياسي أو عن إحساس إنساني، بل بنتيجة رهانات من مع بشار الأسد أنه يربح غدا، ومن ضد بشار أنه يسقط غدا، وكلا الفريقين يجتمعان على الاستفادة من عمالة السوريين لأنها أرخص عليهم، سواء نادوا بإعادتهم الآمنة أو أصروا على عودتهم الطوعية، وسواء أسموهم نازحين أو لاجئين.

المسألة أخطر من ذلك. لهفة “المجتمع الدولي” لمساعدة “اللاجئين السوريين” و”البيئات المضيفة” لا تخفي واقع أن المجتمع في لبنان قد تغير، ولادات السوريين باتت تفوق ولادات اللبنانيين، وقد مضت عشر سنوات على قدومهم إلى لبنان، والأطر الاجتماعية والسياسية ووالتعليمية التي يعيشون فيها لا تتصل بأي مشروع واع ومسؤول، بل تتركهم فريسة لكل أشكال التآمر الخارجي، وتغذي العنصرية التي تطبع مجتمعاتنا اتجاه القريب الأقرب، فكيف اتجاه اللاجئ النازح، والعواطف الإنسانية المزعومة للمجتمع الدولي، الذي غطى تدمير مجتمعات بأكملها، من فلسطين إلى العراق فسوريا ولبنان ايضا، يكون ساذجا، بأقل تقدير، من يركن إليها.

انتهى زمن العنجهية السورية كما انتهى زمن التشاطر اللبناني، وكلاهما كان وهما، إيهاما من جهة وتوهما من أخرى. المنطقة في طور التفكك وإعادة التشكل، والانعزال عن مفاعيلهما ضرب من العمى.

تمزق المجال السوري داخليا وتحول إلى ساحة صراع دولي، فقد بات كل من المجتمعين مشوها في توازناته الداخلية. من هنا تصبح عمليتا إعادة الإعمار في سوريا وتخطي الإفلاس في لبنان بحاجة لإدارة التشوهات الاجتماعية والاقتصادية في كل منهما، لا تجاهلا ولا تماثلا، بل بشكل تكاملي، لتقوية التماسك الداخلي لكل منهما أولا، ولتعزيز وزنهما السياسي والتجاري بالمطلق واتجاه الخارج. وهذا لا يكون إلا على أساس قيام دولة فعلية، مدنية ومقتدرة في لبنان تشكل رافعة لمشروع مماثل ومتكامل في سوريا.