الّسلطة نتاج لرضى المجتمع:

لكون علاقات السلطة قائمة في صلب علاقات المجتمع ومتخيّلاته، ارتضاء شكل هذه العلاقات هو ما يرسم شرعية السلطة. بدون هذا الارتضاء، تّتخذ تناقضات المجتمع الواحد أشكال قطيعة وانعزال، ويُرفض من يزعم امتلاك أية سلطة. وبالتالي، النظام السلطوي لا يمكنه أن يقوم الّا برضى المجتمع أو بالأحرى على رضاه.

السلطة الّتي ورثناها اليوم اكتسبت شرعيّتها في مطالع التّسعينات. تحت رعاية خارجيّة، اتّفق عليها زعماء الحرب وبعض المتموّلين، فاجتمع من كانوا ما زالوا نوابا في حينه، في مدينة الطّائف في السعوديّة، لإقرار التعديلات دستورية ثم أزيحوا. الصيغة التي رست في سنة 1992 أتت على أساس تّفاهم ينظم التحاصص الطّائفي للموارد والتّنفيعات، في مراهنةً على أموال النفط والسّلام الاقليمي. المجتمع في حينها كان مستعدّاً للقبول بأي شيء يطوي صفحة حرب مريرة طالت 15 سنة. فكيف إذا كانت الصّفحة الجديدة تمنح ما هو غير مستحقّ؟ تعفي من محاسبة أخطاء الأمس كأنّ شيئاً لم يكن، وترشو بمستقبل من البذخ والتّرف.

المجتمع أيضاً بدوره يتشكَل و يتطوّر وفق النظام السّلطوي الذي ارتضاه:

إذا كانت وظيفة السلطة تنظيم العلاقات وفق قواعد وضوابط ومؤسسات، فهي حتماً المساهم الأساسي في تعزيز وتكوين بعض الروابط من جهة، والتفكيك التدريجي لبعضها الآخر من جهة ثانية. من هنا نقول بأنّ المشروع قادر أن ينتج مجتمعا اذا حرص على صياغة شبكة علاقات هادفة بما يكثّف التمايز اتجاه الخارج والانصهار في الداخل. السّلطة ليست شيئاً يؤخذ ويعطى أو فئة تبقى أو تزاح، بل هي بنيان مؤسسي في صلب التّشكّل المجتمعي.

السلطة التي قامت في التسعينات، ساهمت بترسيخ متخيّل وهو عيش مشترك بين هويّات طائفية. الهويّات الطائفية أخذت ملامحها المتطرّفة في فترة الحرب، لكن تعزّزها واستمرارها بعد 30 سنة، هو نتيجة ترسّخ لعلاقات سلطوية تعميم الاستزلام والولاء لزعماء الطوائف. فالزعيم وظيفته أن يناتش الزّعماء الآخرين على حقوق (حصص) طائفته، وهو من يعيد توزيع هذه الحصص على من يعتبرهم جماعته. ما يعني أنّ من لم ينتمِ لجماعة أضحى بلا حقوق.

ومن هنا نقول إنّ واقع مجتمعنا ليس صدفة، ومستقبل مجتمعنا ليس قدراً.