سوريا ولبنان… والوصاية الإنسانية

. مقال ل سمير العيطة نشر على موقع الشروق تاريخ 11 تموز 2021 على هذا الرابط

فى اجتماعٍ لنصف ساعة فقط، أقر مجلس الأمن قرارا، توافقت عليه روسيا والولايات المتحدة بعد محادثة مباشرة دامت ساعة بين الرئيسين بوتين وبايدن، حول تمديد عبور المساعدات الإنسانية من ممر باب الهوى، ولمدة 12 شهرا. لم يُنشر نص القرار فورا، ما يعنى أن النص لم يقر نهائيا أثناء الاجتماع. لكن الأمم المتحدة أشارت من جهتها إلى أن التمديد لم يخص سوى معبر باب الهوى وحده بالتحديد ولمدة ستة أشهر قابلة للتمديد بشرط أن ينشر الأمين العام للأمم المتحدة «تقريرا مستفيضا يركز بشكلٍ خاص على شفافية العمليات الإنسانية والتقدم فى وصول المساعدات الإنسانية عبر خطوط التماس».
هكذا ربط القرار بين معبر باب الهوى الدولى الإشكالى الذى يمر عبر مناطق سيطرة تنظيم فتح الشام (النصرة سابقا) وبين مرور المساعدات الإنسانية بين مناطق التشرذم السورية الثلاث. ما يعنى وجوب فتح معابر خطوط التماس رسميا وتحت رقابة مشتركة ضمنيا أمريكية روسية. كما ربط القرار بشكلٍ غير مباشر بين المساعدات الإنسانية وبين الإجراءات الأحادية الجانب (العقوبات) المفروضة من الولايات المتحدة وأوروبا، مثلا فيما يخص المحروقات و«مشاريع الانتعاش الاقتصادى المبكر». كذلك تضمن قرار مجلس الأمن تشكيكا فى شفافية العمليات الإنسانية التى كانت قائمة حتى الآن وفى عدالة توزيعها بين المناطق السورية.
هكذا أتى هذا القرار فى ظل انخفاض تمويل الدول المانحة لأقل من 15% مما تعهدت به للمساعدة الإنسانية هذه السنة من ناحية، وتهديد روسيا والصين بنقض أى قرار يمدد الآلية السابقة أو يستخدم معابر غير باب الهوى، من ناحية أخرى. ما يعنى بعيدا عن المهاترات الإعلامية أن توافقا دوليا ما وضع سوريا على مسارٍ يكسِر تدريجيا آليات شرذمة البلاد تحت وصاية دولية، أساسها روسى أمريكى، فى ظل أزمة معيشية وصحية كارثية. وسيكون لهذا التوافق الدولى تداعياته بالنسبة لأمراء الحرب المستفيدين من التشرذم وبالنسبة لكل أطراف الصراع، وبالتالى على الآلية السياسية والعسكرية للصراع.
•••
بالتوازى، قامت سفيرتا الولايات المتحدة وفرنسا بزيارة إلى المملكة العربية السعودية للتفاوض حول الوضع الكارثى الآخر فى لبنان. فهناك أيضا، ولأسباب مختلفة، لا محروقات ولا كهرباء ولا دواء. قد يكون موضوع الزيارة هو تسهيل تشكيل حكومة، ولكن الأهم أن لبنان استنفد موجودات الدولة بالعملة الصعبة وبدأ ينهش مما تبقى من أموال المودعين فى المصارف لتأمين حاجاته الأساسية، وربما أيضا بمخزون الذهب الاحتياطى. وما يجعل مهمة أية حكومة جديدة تُعيد نهوض البلاد فى منتهى الصعوبة.
هناك أيضا تجرى الأمور لوضع البلاد التى تشهد استعصاء سياسيا داخليا غير مسبوق تحت وصايةٍ دولية… «إنسانية». فقد تدفقت المساعدات بعد انفجار مرفأ بيروت فى صيف 2020 ولكنها انخفضت بعد ذلك بشكلٍ كبير، فى حين تفاقمت حدة الفقر وفقدان المواد الأساسية. وليس ممكنا استمرار المساعدات أو زيادتها فى ظل الهشاشة الحالية لمؤسسات الدولة.
•••
تختلف المقدمات التى أوصلت البلدين إلى هذه الحالة. إلا أن الأسباب واحدة. فسوريا كانت تنعم بفائض مالى كبير فى موجوداتها الخارجية وبأمنٍ غذائى ودوائى. لكن الطبقة الحاكمة أصرت على الاستحواذ على موارد الدولة لصالحها دون مراعاة الانفجار الاجتماعى الذى كان مترقبا بالواقع. هكذا تحول الانفجار الاجتماعى إلى صراعٍ قتل البشر ودمر الاقتصاد وخلق إحدى أكبر الأزمات الإنسانية العالمية. ولبنان، خرج من حربٍ أهلية طويلة، لكنه كان ينعم بموارد بشرية ثرية وبمغتربين كثُر كانوا يحرصون على مساعدة أهلهم المقيمين فى البلاد والنهوض بها. هنا أيضا استحوذت الطبقة الحاكمة على آليات الاقتصاد والخدمات وأموال اللبنانيين وغيرهم بآليات ملتوية. حتى انفجرت أزمة مالية اقتصادية تُعتَبَر من أكبر الأزمات فى تاريخ البشرية.
فى كلا البلدين، قوضت الطبقة الحاكمة مؤسسات الدولة واستخدمتها لمصلحتها المباشرة. فى حين من المفترض أن تعمل هذه المؤسسات للمصلحة العامة ولعدالة التوزيع ولدرء المخاطر ولمحاسبة التجاوزات على الحق العام. وتفاقم عجز الدولة كى يتحول البلدان إلى مجالين لانفلاتٍ يصعب ضبطه لأمراء حربٍ على الصعيد المحلى والكلى، يهيمنون على مفاصل الاقتصاد ويعبثون بقوت وخدمات المواطنين، فى حين يتحصنون بفئوية تستزلمُ أجزاء من المجتمع تحمى مصالحهم. وبرز الكثير من المنظمات «الخيرية والإنسانية»، التى حلت محل الدولة، يتبع الكثير منها «لأجندات» القائمين عليها أو للدول الممولة. منظمات تدفع بعضها أجور موظفيها بالعملة الصعبة وتجعل منهم «طبقة» فوق المجتمع الذى «تخدمه».
ووصل تداعى مؤسسات الدولة إلى درجة تُعيق إمكانية «التغيير» و«الإصلاح» عبر سبلٍ سياسية «طبيعية» كالانتخابات. فما معنى الانتخابات المحلية كما على صعيد الدولة فى سوريا وفى لبنان فى ظل هيمنة أمراء الحرب والتحجج بأطر «دستورية» لما قبل التداعى؟ وعلى ماذا يتنافس السياسيون لكسب الـتأييد دون برامج حقيقية تسعى لإخراج البلاد من أزماتها، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟ وكيف يُمكن لمن خلق الأزمة الخانقة هنا وهناك أن يوكل بمهمة حلها؟ وما معنى مؤسسة القضاء إذا كانت مجيرة لصالح الطبقة الحاكمة أو ممنوعا عليها محاسبة القائمين على السلطة؟
•••
الانهيار فى لبنان يتواصل ولا يبدو أى قرارٍ له. أبرز مؤشراته انهيار أسعار الصرف. وبالتزامن معه انهيار موازٍ فى سعر صرف الليرة السورية تم ضبطه مؤقتا بمناسبة «الانتخابات الرئاسية» ولكن على حساب «تخفيض الاستهلاك» إلى ما هو أقل بكثير من الحد الأدنى للمعيشة. ما يهدد فى سوريا كما فى لبنان بانفجار اجتماعى جديد لا يُمكن ضبطه، حتى إقليميا ودوليا.
من هنا نتج التوافق على «الوصاية الإنسانية» بانتظار أن يتم التوافق على «الوصاية السياسية». واللافت أن هذه الوصايات الدولية ما زالت تذهب فى اتجاه الحفاظ على وحدة كلٍ من البلدين، على الأقل روسيا وأمريكيا.
يبقى السؤال الرئيس إن كانت «الوصاية الإنسانية» لدرء الانفجار الاجتماعى ستفتح مجالا لوقف الصراع الإقليمى والدولى على البلدين وكذلك ستفتح فسحة للخروج من الصراع ضمن البلدين عبر مشاريع، هى سياسية بطبيعتها، لتحييد الطبقة الحاكمة فيهما التى أثبتت عجزها وكذلك أمراء الحرب من أجل النهوض بدولة تقوم على المواطنة والعدالة همها المواطنون ومعيشتهم وحياتهم الكريمة قبل أى اعتبارٍ آخر؟
مهمة هكذا مشاريع صعبة. فعليها النهوض فوق الفئوية الطائفية والقومية، والتعامل مع كل الدول الخارجية على أنها كلها «خارج»، والوضوح فى الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للأزمة القائمة. والثبات فى تصميمها.
السؤال الكبير هنا هو مَن سيفتح الطريق للتغيير: ألبنان أم سوريا؟ البلدان مترابطان أكثر مما هو متداول.