في القطاع الصحي، يجب أن تشكّل المداخيل الناتجة عن مصادر الريوع المختلفة القاعدة الرئيسيّة لتمويل التغطية الصحيّة. ولا يوجد أي سبب لتمويلها عبر الإشتراكات الإلزاميّة المحتسبة على أساس الأجر خصوصاً في ظلّ ارتفاع معدلات البطالة وإنخفاض الأجور الحقيقيّة. يتولّى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مسؤوليّة إدارة النظام الذي يغطّي الخدمات الأساسيّة بصورةٍ شاملةٍ، وتؤمن التقديمات التكميليّة للصناديق الحالية للمهن، صناديق التعاضد وشركات التأمين الخاصّة

الطاقة الكهربائية سلعة ضرورية. هي اليوم تؤثر سلباً على ميزان المدفوعات لناحية كلفة الانتاج وفاتورة الاستيراد، ولا تتوفر الكهرباء عبر الشبكة الوطنية إلا لنصف الوقت، كما يعتمد 84% من المساكن على المولّدات الخاصّة في الأحيّاء التي يتقاسم أصحابها المناطق تحت حماية الأحزاب. يجب تناول مسألة الكهرباء من ثلاث زوايا: تكاليفها الانتاجية المرتفعة، الخسائر الفادحة التي تتكبدها مؤسسة كهرباء لبنان، ونسج المافيا لشبكتها في الهيكل المتصدع. من القرارات التي يجب اتّخاذها أولاً تنظيم الاستهلاك. يحصل ذلك عبر وضع تعريفات وأحكام مالية مكمّلة تهدف بمجملها إلى  تقليل الاستهلاك، وحصر الدعم بشريحة الاستهلاك الدنيا، وجعل تكلفة الطاقة تصاعديّة، بالاضافة الى خفض تكاليف الطاقّة للأنشطة الانتاجيّة بحسب حجم قيمتها المضافة وصافي صادراتها وعدد الوظائف التي تؤمنها. القرار الثّاني يقوم على تنويع أنماط إنتاج الطّاقة للتخفيف من المخاطر البيئية والتكنولوجيّة والاقتصادية والسياسية بدلاً من تأجيل الخيارات باستمرار والانتهاء مع حلول مؤقتة تستمر بحكم الأمر الواقع.

السكن ليس مجرّد سقفٍ يلبّي حاجة وظيفية بديهيّة. في النظام السياسيّ الحاليّ، هذا المجال أصبح تراتبياً ومنظماً وفق أسس تعكس المرتبة الاجتماعية والانتماء الطائفي، فانتهى الأمر بتهميش بعض البلدات والمدن لتزداد الكثافة السكانية في مناطقٍ دون سواها. كما وظّف 65% من التحويلات الأجنبيّة التي وفدت في المضاربات العقارية ما ساهم في تقهقر القطاعات الانتاجية الأخرى وفي رفع أسعار الأراضي والإيجارات. هذه الاستراتيجيّة المدينية حوّلت الاتوسترادات الى جادات تجارية، ودمّرت المباني والمناطق التراثية لتتكاثر مدن الأشباح في ظلّ غياب أي تعداد سكاني رسمي. الحادة تبرر تدخّلاً حازماً على مستوى السياسات الماليّة وسياسات التنظيم المدني. أصبح من الضروريّ وقف عمليّات الإخلاء أولاً، ثم إعادة صياغة العقود وجدولة القروض، بهدف ترشيد الأسعار العقارية وتلافي حصول إفلاس منظومي للمطورين العقاريين ولشركات البناء والدراسات. كما نحتاج الى سياساتٍ ماليةٍ وضريبية دقيقةٍ كي يتناسب الإيجار مع أوضاع كلّ من المالكين والمستأجرين.

هدفنا أن يؤمّن النظام التعليمي وظائف محدّدة ومنها: تعزيز الشرعيّة المدنية للدولة، تغذية الفكر النقدي، وتنشيط الحرية الفكريّة، وانتاج المعرفة، وتطوير القدرات على إدارة الطلب ومواكبة العملية الانتقالية من خلال دمج التدريب ما بعد المدرسيّ. ما تطرحه الأزمة الاقتصاديّة من اعتباراتٍ اجتماعيةٍ يسمح لنا بإعادة تركيز التعليم على وظائفه الاقتصاديّة والسياسيّة. يصبح التعليم الأساسيّ، وصولاً للمرحلة التكميليّة إلزامياً ومجانياً، حتّى المرحلة الثانوية، على أن تغطّي الدولة تكاليف التعليم في المدارس الخاصّة المتعاقدة مقابل التزامها بمنهاج واد وبشروط تسهل الاندماج الطبقي والطائفي. في المقابل يتمّ التعامل مع المؤسسات التعليميّة غير المتعاونة بوصفها مؤسسات تجاريّة. كما تعاد هيكلة التعليم العالي لربطه باحتياجات التحوّل الاقتصادي.

تعزيز قدرات شبكة النّقل لا يؤدي إلّا الى استقطاب المزيد من السيارات وينتج عن ذلك خسائر كبيرة لناحية الوقت الذي يستهلك في الرحلات اليومية والأضرار البيئية وحوادث السير، بالإضافة الى التكاليف الكبيرة على الاقتصاد واستيراد كثيف للسيارات والوقود. يقتصر النقل العامّ على عرض بدائي وغير منظمّ، من دون جداول زمنية أو محطات توقف ثابتة، فيؤدي الى فوضى هي مسؤولة عن جزء كبير من الاختناقات المروريّة وحوادث السير. يتوجب هنا تقسيم العمل وفق بعدين زمنيين: المدى الأطول والمدى الأقصر. تحدّد معايير إعادة توزيع المداخيل وإعادة توزيع الكلف، بالإضافة الى إعادة توزيع “كمية النقل” عبر زيادتها على مستوى ربط الأقطاب (محور مباشر بين المدن: طرابلس – بيروت – النبطية وبيروت – زحلة – بعلبك) وخفضهما من كلّ من الأقطاب (ضمن بيروت الفعليّة). يتمّ إنشاء شبكة نقل مشترك على مسارب مخصّصة ضمن نطاق تحده بلدات  طبرجا، بيت مري، الدوحة، عرمون، والدامور وتتمّ استعادة الأوتوسترادات لوظائفها وطاقاتها المرورية وفصلها عن المباني والمحلات التجارية وتخفيض التكلفة الاقتصادية الإجمالية للتنقل عبر إحداث تحوّل حاسم في الوسائط المستخدمة.

يمكننا تصوّر عدة نتائج محتملة للأزمة التي وجد لبنان نفسه غارقا فيها، شريطة أن ينظر اليها على انّها انتقال مما لم يعد موجودًا – وان استمرّ الناس بالتمسّك به – الى ذاك الشيء الجديد الذي يجدون صعوبةً في تصوّره برصانة.

لذلك تسعى حركة مواطنون ومواطنات في دولة الى تلافي تحوّل الهجرة الكثيفة الى ردة فعلٍ على الأزمة الاقتصادية والمالية الحادّة، ما يعني أنه تمّ التضحية بالمجتمع لإبقاء على النظام السياسي الطائفي. تنطلق الحركة من خيارٍ سياسيٍ وهو إرساء نظام سياسيّ يحظى بشرعيّة واثقة تسمح له بمواجهة التحديات، نظام مدني يعلن صراحةً خياراته في السياسة الداخليّة والخارجية.

في ظلّ هذا النظام السياسي والاقتصادي الذي بدأ في منتصف الثمانينات، شهد البلد هجرةً كثيفةً وارتفعت أعداد الوافدين الى لبنان وازدادت أعدادهم. أصبح عدد اللّبنانيين المهاجرين يعادل ثلثي عدد اللّبنانيين المقيمين، . وبلغ عدد غير اللبنانيين المقيمين أيضا ثلثي عدد اللّبنانيين المقيمين، أدّى ذلك الى تغيير التركيب العمري للمقيمين بشكل كبير بين عامي 1997 و 2009 فاللّبنانيون الذين تقلّ أعمارهم عن 20 سنة يمثلون 34% من المقيمين، بينما تبلغ هذه النسبة 57% لدى اللاجئين  السوريين.

بناء على ذلك،  نرى أنّ حقيقة المشهد الاجتماعيّ والاقتصاديّ اللّبناني، قبل انفجار الأزمة الحالية، باتت مغايرة تماماً للفكرة الشائعة التي يتخيلها اللّبنانيون عنه. فالعمّال في القطاع النظاميّ لا يشكلون سوى 29% من القوى العاملة وهناك 19 % من الأجراء غير النظاميين. أما البطالة فهي مرتفعة بشكلٍ خاصّ بين النساء وهي ترتفع مع ارتفاع المستوى التعليمي (علما أن نسب البطالة لا تحتسب  إلا بين أولئك الذين لم يهاجروا).

سقط النظام المصرفي ومعه المصرف المركزي. السؤال الأساس: ما هي الوظائف التي يطلب من الوساطة المالية القيام بها في المرحلة الانتقاليّة؟ وأي قطاع مصرفيّ يحتاجه لبنان؟ وفي أيّ مرحلة من العملية الانتقاليّة يجب أن تتمّ إعادة بناء القطاع المصرفيّ؟

الوظيفة المطلوبة من النظام المرصيفي هي حشد الادخار الداخلي والادخار الخارجي المتاح وتوجيههما صوب الاستثمار، تسهيلًا للانتقال الى نموذج اقتصادي يحفظ مصلحة المجتمع، بدلًا من استهلاك هذا الادّخار وتمويه ضياعه، كما فعل النموذج المفلس.

“إعادة هيكلة” النظام المصرفي، أو بالأحرى تأسيس نظام مصرفي يؤدّي الوظائف التي يحتاج إليها البلد، يجب أن يتم قبل أي تفاوض مع الدائنين، من حملة سندات اليوروبوند، ومن مصارف حالية، وإنما أيضا مع المواطنين فيما خص حقوقهم الاجتماعية، ومع مؤسسات الادخار المجتمعية، وأخيرُا مع صندوق النقد الدولي بعد أن تم التوجه إليه. يجب أن يتم أيضا قبل أية عملية لتحويل الذمم المالية إلى الليرة، أو فرض أية ضريبة استثنائية، أو أي اقتطاع من الودائع، أو تأجيل للاستحقاقات أو تحويل الودائع الى رأسمال أو أي شكل آخر. ونحذّر بوضوح من أنّ أي قلب لتسلسل حلقات هذه الاجراءات سوف يولّد حالات من الأمر الواقع تجعل من الصعب، بل من المستحيل، اقامة النظام المصرفي الذي يحتاج اليه البلد.

تجدر الاشارة هنا، أنه، وعلى مستوى الإدارة الخاصّة، كلّ شيء ينبع من قناعة أي منتج قائم ومحتمل وإذا ما كان بإمكانه أن يستمرّ.

تنظر المؤسسات الخاصة إلى العمل كعنصر انتاج وبند كلفة، اسوة بالعناصر والبنود الأخرى.  إنما الأمر يختلف كلياً على مستوى الاقتصاد والمسؤولية السياسيين. يعتقد كثيرون أن زيادة الإنتاج تترافق تلقائيا مع زيادة فرص العمل. لكن الانتاج يزداد أيضا بزيادة الانتاجيّة. وهدف المؤسسة الرأسمالية زيادة الأرباح وليس زيادة الانتاج أصلاً. وولا يصح اعتبار التمويل وسيلةً فعالة بالضرورة لتوليد فرص عمل، بل يمكنه أن يخدم زيادة مكاسب رأس المال على حساب زيادة الارباح، وزيادة الارباح على حساب زيادة الانتاج…

الهدف الأساسيّ هو خلق فرص عمل في لبنان وهذا ليس تحدّياً سهلاً. خلق الوظائف يمكن أن يأتي نتيجةً لعمليتين:

  • الأولى نموّ حجم المؤسسات الموجودة، ناقص تضاؤل حجم بعضها،
    • والثانية زيادة عدد المؤسسات المستحدثة صافياً من المؤسسات التي تقفل، وهذا يعني المزيد من الاستثمار.

يكون التمويل أنيؤول إلى أربع استخدامات:

  • تمويل الآليات العملانية،
    • تمويل الاستثمارات،
    • تمويل الخسائر
    • تمويل اكتساب مواقع لتحصيل الريع.

وجهتا الاستخدام الأوليين وحدهما لهما تأثير اقتصادي إيجابي.

إذا ما اعتمدنا منظور السيولة، قد تبدو الخسائر هائلة، فالسيولة هي التي تحرك المودعين، وباتت تعني “دولارات حقيقية”. الخسائر تحصل عند توفّر شرطين: الأوّل، فروقات سلبية بين القيم السائلة المقابلة لسندات دين الدائن، والثّانية إذا لم يعد الإطار المؤسسي الذي يرعى هذه الانتظارات أو الوعود، لأن أية ذمة مالية ليست سوى وعدٍ بالسداد، مقبولاً من كل من الدائن والمدين.

كان من واجب حاكم مصرف لبنان المفاضلة بين تقليص الفوارق بين الديون والقيم المقابلة لها وتدعيم مصداقيّة الإطار المؤسسي الذي تحصل استناداً إليه المقارنات لتأجيل أمدها مما قد يؤدي الى تضخيم حجم الذمم الدائنة. هذا الأمر قد يتعارض مع السعي لتعزيز نمو القيم المقابلة الذي قد يؤدي أيضاً بهم الى تضخيم حجم الذمم الدائنة.

لا شكّ بأن كمية العملات الأجنبية من أصول خارجية متاحة، مع ما تبقى من الذّهب، بالاضافة الى التمويل الخارجي الموعود ستتحكم بالاختيار بين مختلف الصيغ النقدية الممكنة. لكن ما بات ثابتاً هو أنه يجب التخلي عن “الدولرة” بشكلٍ نهائي لأنها تؤدي الى فقدان كلّ قدرة للسياسة النقدية على التأثير في الاقتصاد، وسوف توجب المفاضلة بين استهلاك يتقلّص بشكلٍ حادّ واستثمارات مطلوبة بشكلٍ ملّح.